الذهب في موريتانيا… حلم الثراء في بلد فقير

لا تنعكس الثروات المعدنية المتنوعة، كالحديد والنحاس والذهب، التي يزخر بها الشمال الموريتاني، على الواقع المعيشي للسكان، حيث يعيش 50.6% من السكان في فقر متعدد الأبعاد، وفقاً لتقرير التنمية البشرية لعام 2019، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في حين بلغت نسبة الفقر، حسب أحدث تقارير حكومية، 31% عام 2014.

وبدأ استخراج الذهب في موريتانيا مع إنشاء شركة مناجم النحاس الموريتانية MCM في العام 2005، وهي الشركة التي يصل متوسط إنتاجها السنوي من الذهب إلى 50 ألف أونصة، حسب بيانات الشركة.

ولكن الإنتاج الحقيقي للذهب بدأ في عام 2008 من خلال منجم “تازيازت” الواقع في شمال البلاد، والذي تستغله حاليا شركة “كينروس” الكندية بعدما اشترته من شركة “رد باك مينينغ”.

وتقوم الشركة باستخراج الذهب من صخور “تازيازت” بعد المعالجة، وقد وصل إنتاجها في أول عام من الاستغلال إلى 150 ألف أونصة من الذهب، فيما تجاوز رقم أعمالها مليار دولار، 65% منها تمثل أرباحا للشركة.

وفي سنة 2016 أعلنت الشركة أن الموارد المحصّلة من الذهب بلغت 252 مليون دولار، بينما وصلت أرباحها الصافية من منجم تازيازت إلى 180 مليون دولار، وقد زادت هذه الموارد في عام 2017 لتصل إلى 352 مليون دولار، وذلك بفضل الزيادة في الإنتاج (292.500 أونصة، مقابل 229.000 أونصة سنة 2016)، وهي الزيادة الناجمة عن توسيع مجال رقعة عمل الشركة الاستخراجي وتطويرها للمناجم.
وحسب آخر تقرير أصدرته الشركة في فبراير/ شباط 2020، فقد وصل الإنتاج سنة 2019 إلى 391 ألف أونصة من الذهب، أي ما يعادل 11 طنا، بزيادة قدرها 56 بالمائة عن عام 2018.

احتياطي ضخم وإيرادات ضعيفة

قدرت اللجنة الموريتانية للشفافية في الصناعات الاستخراجية في تقريرها الأخير، احتياطي موريتانيا من الذهب بـ25 مليون أونصة، ووفقا للتقرير، فإن موريتانيا تتوفر على 900 مؤشر للتعدين والمعادن الموثقة، وهو ما يؤهلها لأن تكون لديها قدرة كبيرة لتصبح لاعبا رئيسيا لإنتاج المعادن في العالم.

وتعد شركة “كينروس” الكندية أكبر مستغل للذهب في موريتانيا، فيما تصنف في المستوى الرابع عالميا من حيث الشركات المستثمرة في مجال الذهب. وتشغل الشركة حوالي 3700 عامل موريتاني، فيما تصل مساهمتها في ميزانية الدولة إلى 110 ملايين دولار.

وترتبط “كينروس” ممثلة بـ”تازيازت موريتانيا”، باتفاقية استغلال مع الحكومة ظلت بموجبها الدولة الموريتانية تحصل على 3% من الإنتاج فقط، وهي النسبة التي أثارت غضب الموريتانيين، ونظمت حملات عدة للمطالبة بتعديل الاتفاق مع الشركة التي يتهمها الخبراء بالنهب الممنهج لثروة الشعب الموريتاني وتقديم أرقام مغلوطة حول حجم الإنتاج.

وفي 15 يونيو/ حزيران 2020 وقعت الحكومة الموريتانية على اتفاق جديد مع شركة “كينروس” الكندية بموجبه سيتم ربط الإتاوات (الإيرادات) التي تأخذها الحكومة بسعر الذهب في السوق العالمي، وستحصل الدولة الموريتانية على زيادة في ريعها البالغ 3% ليصبح 6%، مع إمكانية أن تصل الإتاوات إلى حد أقصى قدره 6.5% عندما تصل أسعار الذهب إلى مستوى 1800 دولار أميركي لكل أونصة أو أكثر.

وبموجب الاتفاق الجديد قبلت السلطات الموريتانية منح شركة “كينروس” رخصة جديدة لاستغلال منجم تازيازت الجنوبي “سيتزا” لمدة 30 سنة، على أن تشارك الدولة في المنجم بنسبة 15% مدفوعة مجاناً لها مع خيار محجوز لشراء 10%.

ووصفت شركة “كينروس” الكندية في بيان لها الاتفاق الجديد مع الحكومة الموريتانية بأنه عادل ومتوازن ويسمح لموريتانيا بالحصول على نصيبها العادل من الفوائد الاقتصادية لمنجم تازيازت.

التنقيب السطحي وخطر الموت

في عام 2016 سمحت الحكومة للمواطنين بالتنقيب التقليدي عن الذهب السطحي في مناطق محددة، ومنذ ذلك الحين والقطاع يستقطب عشرات الآلاف من الموريتانيين الحالمين بالثراء، رغم صعوبة التنقيب والوسائل البدائية المستخدمة فيه.

وحسب تقرير صادر عن وزارة المعادن، فإن عائدات التنقيب التقليدي من الذهب السطحي، وصلت إلى 400 مليون أوقية سنويا (حوالي 10 ملايين دولار)، بالإضافة لاستقطابه لأزيد من 25 ألف فرصة عمل. ويناهز متوسط الإنتاج اليومي من الذهب السطحي المستخرج بالطرق التقليدية 8.9 كيلوغرامات من الذهب.

ويعتبر الباحث الاقتصادي الحسين ولد محمد عمر أن أهم خطوة قامت بها الدولة حتى الآن في سبيل تطوير الاستفادة من الذهب تتمثل في إنشاء شركة معادن موريتانيا بتاريخ 4 مارس/ آذار 2020، والتي من أهم اختصاصاتها توفير الظروف الملائمة للمنقبين من خلال السعي إلى تنظيم القطاع وجعله أداة فاعلة في المجال الاقتصادي.

وأضاف الباحث في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن حث المنقبين التقليديين على ضرورة الالتزام بالقوانين يساهم هو الآخر في تطوير الاستفادة من الذهب، مشيرا إلى أن إنشاء فرع للبنك المركزي الموريتاني في مدينة أزويرات، عاصمة المعادن في موريتانيا، ساهم في تقريب خدمة بيع الذهب من المنقبين.

وحول عمليات التهريب، يقول عمر إنه “لا شك أن هذا المجال يعرف عمليات تهريب بكميات كبيرة إلى السوق السوداء، إذ إن الأسواق الموازية دائماً توفر أسعارا مغرية للمنقبين”.

ويشير الباحث إلى أن البنك المركزي بدأ سياسة ذكية لمحاربة السوق السوداء في مدينة أزويرات المعدنية، خاصة أنها تمثل منافسا شرسا له في استقطاب المنقبين والفوز بحصصهم الإنتاجية، كما أن السلطات في مدينة نواذيبو القريبة من مناطق التنقيب بدأت تطبيق عقوبات رادعة حسب ما ينص عليه القانون على مهربي الذهب.

وبخصوص التنقيب غير القانوني، يؤكد عمر على وجود عمليات كثيرة من هذا القبيل في مناطق الوسط والشمال الشرقي، ويقول: “مناطق التنقيب تشهد عمليات كر وفر يومية بين السلطات المعنية والمنقبين غير القانونيين، وهو الشيء الذي حذرت منه شركة معادن موريتانيا”.

وكانت فترة الإغلاق بسبب فيروس كورونا قد منحت ظروفا ملائمة للمنقبين لدخول مناطق لم تكن ضمن المناطق المسموح لهم بدخولها، في ظل تغاضي السلطات عنهم وانشغالها بفرض إجراءات الإغلاق في المدن، فيما رخصت السلطات دخول نقاط تنقيب جديدة بعد زيادة عدد المنقبين جراء تعطل قطاعات اقتصادية مختلفة بسبب تداعيات كورونا.

ويدعو عمر الحكومة إلى تسهيل عمل المنقبين وتنظيم القطاع وفتح شبابيك للبنك المركزي في مناطق التنقيب، ويقول إن “هذا المقترح الأخير سيساهم في منع تهريب الذهب وبيعه في السوق السوداء التي توفر خيارا أكثر ربحية”.

ويؤكد أن العقوبات التي توعدت بها الحكومة في حال تم تنفيذها ستساهم بشكل كبير في الحد من التهريب ودخول الأجانب قطاع التنقيب السطحي عن الذهب.

جهود لتنظيم القطاع

أسندت الحكومة الموريتانية لشركة “معادن موريتانيا” مهمة تنفيذ الإصلاحات الهادفة للنهوض بنشاطات التعدين التقليدي، وشبه الصناعي في البلاد، فضلا عن تنظيم قطاع التعدين بشكل عام، وفرض الرقابة عليه.
وواجهت الشركة بعيد إنشائها تحديات كبيرة، حيث اتهمها المنقبون بزيادة الضريبة السنوية على آبار الذهب. وخرجت مظاهرات حاشدة في مناطق التنقيب استدعت تدخل الجيش، وشهدت حرق مقر الشرطة في مدينة الشامي القريبة من مناطق التنقيب.

وأعلنت الشركة عن تخفيض الضريبة السنوية المفروضة على آبار التنقيب إلى النصف لتصل إلى 50 ألف أوقية عن كل بئر (حوالي 1300 دولار). وأكدت الحكومة أنها ستعمل من خلال شركة معادن موريتانيا على مساعدة وتوفير كافة إجراءات السلامة وظروف العمل المناسبة في مناطق التنقيب بالشمال.

ومن جانبه، يقول الخبير في قضايا التشغيل كريم ولد الخليفة إن التنقيب التقليدي عن الذهب فتح آفاقا أمام الشباب ومنحهم فرصا للحصول على مصدر رزق، وهذا ما يفسر الإقبال الكبير على التنقيب السطحي عن الذهب والذي لا يحتاج الترخيص الرسمي بممارسته إلا شرط الجنسية الموريتانية ودفع مبلغ 300 دولار للخزينة.

ويضيف الخليفة في تصريح لـ”العربي الجديد”: “يساهم التنقيب التقليدي عن الذهب في امتصاص البطالة ومحاربة الهجرة، كما يرفع من احتياطيات البنك المركزي من الذهب، بالإضافة لتنشيط قطاع الخدمات”.

ويرى أن القطاع بحاجة لتنظيم دقيق لرفع عائداته وتشجيع الشباب أكثر عليه، ويقول: “أغلب المنقبين يعملون في ظروف لا تراعي معايير السلامة ويستخدمون أدوات بدائية، وهو ما تسبب في العديد من الحوادث بسبب انهيار آبار التنقيب، الأمر الذي خلف عشرات الضحايا في صفوف المنقبين منذ العام 2016”.

ويشير الخليفة إلى أن المخاطر التي يواجهها المنقبون لا تقتصر على انهيارات آبار التنقيب، فحوادث السير هي الأخرى تُساهم بشكل كبير في حصد أرواح هؤلاء المنقبين الذين يتنقلون عبر طرق وعرة غير آمنة لمناطق التنقيب، كما يتعرضون للسرقة والابتزاز بعد انتهاء رحلاتهم الشاقة في التنقيب عن الذهب.

ويضيف: “كما تزداد معاناة المنقبين مع احتمال ملاحقتهم قضائيا جراء الاستدانة التي يلجأ إليها البعض من أجل تغطية تكاليف رحلة التنقيب، وبما أن الرحلة لا تضمن الحصول على الذهب، فقد يجد المنقبون أنفسهم في ضائقة مالية نتيجة تراكم الديون، وقد يدفعهم ذلك لبيع مساكنهم لسداد ديونهم ليتحولوا بعد ذلك إلى مشردين بعد أن يتبخر حلم الثراء.. وهذا ما حدث بالفعل لكثير من المنقبين عن الذهب”.

وحول إمكانية تطوير الاستفادة من ثروات الذهب، يرى الخليفة أن تشكيل تعاونيات شبابية للتنقيب السطحي عن الذهب سيساهم في تنظيم القطاع والاستفادة منه بشكل أكبر، على أن تقوم الدولة بتكوين أعضاء تلك التعاونيات ومدهم بالتكنولوجيا، ما سيسمح بتطوير مجال التنقيب الذي يعتمد حتى الآن على وسائل بدائية تشكل عائقا أمام الاستغلال الحرفي، وتحقيق أكبر استفادة من التنقيب السطحي، والذي بات يشكل رافدا مهما من روافد الاقتصاد، وعاملا أساسيا في التخفيف من بطالة الشباب.

ويدعو الخليفة الحكومة إلى فتح مناطق بكر جديدة أمام المنقبين التقليديين ومنحهم الفرصة للاستفادة من ثروات بلادهم طالما أن الاتفاقيات مع شركات التعدين الأجنبية لم تؤتِ ثمارها بالشكل المتوقع. كما طالب بتوفير الأمن في مناطق التنقيب ومنع العسكر من استعمال الرصاص الحي ضد المنقبين الذين يتجاوزون المناطق المحددة لهم، والسماح للمنقبين باستخدام الآليات الكبيرة الأكثر أمنا في عمليات التنقيب.

 

 

مصدرالعربي الجديد - سكينة ابراهيم
المادة السابقةفهمي: قرار الإجازة للبلديات بمنح تصاريح بناء لم يسلك مجراه الإداري بعد
المقالة القادمةلماذا يختفي السكر من الأسواق اللبنانية؟