الرئيسية اقتصاد لبنان الـTVA إلى 12% والدولة تضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم البعض

الـTVA إلى 12% والدولة تضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم البعض

أقرّ مجلس النواب، في جلسته التشريعية الأربعاء الفائت، فتح اعتماد إضافي في موازنة العام 2026 بقيمة 56 ألفاً و500 مليار ليرة، أي ما يقارب 630 مليون دولار، لإعطاء موظفي القطاع العام والمتقاعدين العسكريين والمدنيين ستة رواتب إضافية، على أن يُطبّق القرار بمفعول رجعي اعتباراً من الأول من آذار الماضي.

تجد الحكومة نفسها أمام تحدٍّ جديد وخطير يتمثّل في تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل خطوة تمثّل كلفتها ما يقارب الـ 10% من حجم الموازنة العامة للعام 2026، والبالغة نحو 6 مليارات دولار. وفي المقابل، ترتفع المخاوف من الدخول مجدداً في مفاعيل سلسلة جديدة وغير مدروسة للرتب والرواتب، شبيهة بالسلسلة التي أُقرّت في 17 تموز 2017، والتي بلغت كلفتها التقديرية يومها نحو 800 مليون دولار، قبل أن تتجاوز كلفتها الفعلية 1.5 مليار دولار.

قبل الدخول في مصادر التمويل التي وضعتها الحكومة، لا بدّ من التوقف عند الكلفة الإجمالية لما تعتبره وزارة المال «تحسيناً لوضع العاملين في القطاع العام»، والذين يقارب عددهم 260 ألفاً، من بينهم نحو 120 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، وحوالى 80 ألف متقاعد عسكري، ونحو 50 ألف متقاعد مدني. ويُضاف إلى هذه الأعداد المعلّمون والموظفون الإداريون، الذين يتراوح عددهم بين 8 آلاف و9 آلاف موظف، بحسب أرقام وزارة المال.

ما أقرّه مجلس النواب يُعتبر جزءاً من سلّة متكاملة تقارب كلفتها السنوية 800 مليون دولار، وتضمّ:

• كلفة الرواتب الستة الإضافية للقطاع العام وتبلغ نحو 50 مليون دولار شهرياً، ما يرفع الكلفة السنوية إلى حوالى 600 مليون دولار، فيما تُقدَّر الكلفة الفعلية للعام الحالي بنحو 500 مليون دولار، نتيجة احتسابها اعتباراً من شهر آذار.

• كلفة تعديل التعويضات العائلية من 33 ألف ليرة عن كل ولد، و60 ألف ليرة عن الزوجة أو الزوج، إلى نحو مليون و155 ألف ليرة عن كل ولد، ومليونين و100 ألف ليرة كتعويض عن الزوجة أو الزوج، أي بزيادة تقارب 35 ضعفاً. وتتراوح الكلفة الإجمالية، بحسب أرقام وزارة المال، بين 100 و150 مليون دولار سنوياً.

• كلفة مساواة المتقاعدين العسكريين ببقية موظفي القطاع العام في المنح المدرسية، بحيث يحصلون على نسبة 100% بدلاً من 50%، بكلفة تقارب 70 مليون دولار سنوياً.

أما في ما يتعلق بالإيرادات التي وضعتها الحكومة لتمويل هذه النفقات الإضافية، فتأتي على الشكل الآتي:

• فرض رسم استهلاك على صفيحة البنزين بقيمة 320 ألف ليرة، دخل حيّز التنفيذ في شباط الفائت، وقد يؤمّن ما يقارب 450 مليون دولار سنوياً. وهذا يعني أن التمويل الأساسي لزيادة رواتب وأجور القطاع العام سيأتي من جيب المواطن. وفق عملية حسابية، تكون الحكومة قد جمعت حتى منتصف تموز الحالي إيرادات تقارب 195 مليون دولار من هذا الرسم. فهل ما زالت هذه الأموال محفوظة؟

• زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة نقطة مئوية واحدة، لترتفع من 11% إلى 12%، وهي خطوة أصبح إقرارها شبه مؤكد، لكون وزارة المال تعوّل على تأمين ما يقارب 150 مليون دولار من خلال هذا الإجراء. ربط أي ضريبة بإنفاق معيّن يُعدّ أمراً غير دستوري، وقد سبق للمجلس الدستوري أن ردّ مشروعاً مماثلاً. وهنا بدأت وزارة المال الترويج لفكرة أن أكثر من 30% من السلع المستوردة معفاة من الضريبة على القيمة المضافة، ولا سيما السلع الأساسية المرتبطة بذوي الدخل المحدود، مثل المواد الغذائية الأساسية والكتب المدرسية وألبسة الأطفال.وهذه هي العبارات ذاتها التي تُستخدم كلما اقترب موعد إقرار زيادة على الضريبة على القيمة المضافة، لتكون النتيجة ذاتها.

• تعديل رسوم المستوعبات واتخاذ تدابير أخرى ذات صلة.

• تبحث وزارة المال عن مصادر تمويل أخرى تقارب قيمتها 200 مليون دولار، وتطرح عناوين من بينها تحسين الالتزام الضريبي، وتعزيز إيرادات الجمارك، ومكافحة التهرّب الضريبي.

يعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة إن إقرار مجلس النواب للاعتماد إلاضافي يُظهر إلى العلن الخلل الهيكلي المزمن في إدارة المالية العامة. فالمُشكلة الأساسية تكمّن في انتهاج سياسة “الترقيع” المالي عوضاً عن وضع خطة إصلاحية شاملة ويقول” هذه الكتلة النقدية الضخمة تم تمريرها بصفة العجلة دون دراسة رقابية معمقة من اللجان النيابية المختصة. والأخطر أنها أُقرّت كإنفاق عاجل دون أن تقترن بقوانين إيرادات ضريبية وجمركية حقيقية ومستدامة قادرة على تغطيتها” من هذا المُنطلق، هذا الفصل بين الإنفاق والجباية سيخلق حتماً عجزاً هائلاً في موازنة العام 2026، وسيضغط على حسابات الخزينة في ظل تراجع المداخيل نتيجة الحرب ونتيجة التوترات الجيوسياسية الأخيرة. وبما أن هذه الزيادات على الأجور تم التعاطي معها على أنها “مساعدات اجتماعية مؤقتة”، وبالتالي لا تدخل في أساس الراتب، فهي لن تعالج أزمة تعويضات نهاية الخدمة أو معاشات التقاعد للموظفين.

يتابع: ” من هنا نرى أن ضخ هذه السيولة الضخمة غير المغطاة بإيرادات بنيوية يهدد بزعزعة الاستقرار النقدي الهش، ويتحول إلى أداة سياسية لتأجيل الانفجار، مما سيعيد إنتاج تضخم مفرط يمتص القيمة الشرائية لهذه الزيادات من جيوب المواطنين وموظفي القطاع العام أنفسهم.

بدوره يؤكد رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، لـ«نداء الوطن» أن الاتحاد سيخوض معركة ضد رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، معتبراً أن تمويل زيادة الرواتب من خلال تحميل المواطنين كلفتها أمر مرفوض تماماً. وأوضح أنه ستتم مواجهة أي خطة من هذا النوع، كما جرت مواجهة المرسوم رقم 3214 المتعلق بالرسوم البيئية، والذي تراجعت عنه الحكومة في نهاية المطاف. كما أصرّ الاتحاد على رفض الرسوم الجديدة التي فُرضت، رغم ضآلتها، لأن المواطن هو من سيدفعها في نهاية المطاف. وهدّد الأسمر بلجوء الاتحاد العمالي العام إلى التصعيد والتظاهر والإضراب في حال أصرّت الحكومة على رفع الضريبة على القيمة المضافة، على ان يبلغ الأسمر هذا الموقف إلى وزير المال ياسين جابر، خلال اجتماع يُعقد يوم الثلاثاء في وزارة المال، معتبراً أن على الحكومة البحث عن مصادر تمويل أخرى، من بينها ما يتعلق بملف الأملاك البحرية والنهرية وغيرها. ويعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام أن ما قامت به الحكومة ليس سوى إعطاء الموظفين ستة رواتب إضافية بيد، لا تدخل في أساس الراتب وتتراوح قيمتها بين 120 و200 دولار شهرياً، وفقاً لرتبة الموظف، على أن تسحب هذه الزيادة باليد الأخرى من خلال الضرائب والرسوم الجديدة.

لا يختلف أحد على ضرورة تحسين أوضاع العاملين في القطاع العام، ولا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يمرّ بها موظفو القطاع، فيما تراجعت معاشات بعض المتقاعدين إلى ما بين 200 و300 دولار، ما جعل مسألة التصحيح حاجة اجتماعية ملحّة. لكن أي تحسين لا يجب أن يأتي من جيب المواطن، ولا سيما أن المواطن نفسه قد يكون موظفاً في القطاع العام أو عسكرياً أو أستاذاً.

هنا نعود تحديداً إلى 21 آب 2017، تاريخ إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، يومها، اقترن إقرار السلسلة بإصلاحات عديدة أُدرجت في 15 مادة، كان من أبرزها ما نصّت عليه المادة 21 من القانون، والتي لحظت ما يأتي:

• وقف جميع حالات التوظيف والاستخدام، مهما كانت تسميتها، في جميع أجهزة القطاع العام، بما في ذلك السلكان التعليمي والعسكري، وفي المشاريع المشتركة مع مختلف المنظمات الدولية، حتى ولو كان التوظيف أو الاستخدام يتم في وظيفة شاغرة في الملاك، ما لم يقترن بموافقة مجلس الوزراء المبنية على تحقيق تجريه إدارة الأبحاث والتوجيه في مجلس الخدمة المدنية.

• إجراء مسح شامل للوظائف الملحوظة في ملاكات أجهزة القطاع العام وللعاملين في هذه الأجهزة، في مهلة ستة أشهر من تاريخ صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب.

• إعادة هيكلة الإدارة وتطويرها وإنجاز التوصيف الوظيفي خلال المهلة ذاتها.

ورغم هذا القانون، أظهر تقرير أُعدّ بطلب من لجنة المال والموازنة، التي كلّفت الهيئات الرقابية، بما فيها مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والنيابة العامة لديه، تزويدها بالمعلومات المتوافرة عن هذا الملف وإجراء التحقيقات اللازمة، أن هناك موظفين جرى توظيفهم واستخدامهم بعد 21 آب 2017 من خارج الأجهزة العسكرية والأمنية. وبلغ عدد هؤلاء 5473 موظفاً، لم يُوظّف منهم وفقاً للأصول سوى 460 موظفاً، وبتسميات وظيفية تنطبق على التوصيف الوظيفي، كما ورد في التقرير الموحد. وبطبيعة الحال، استمر التوظيف السياسي، ولم تُنفَّذ عملية إعادة هيكلة القطاع العام وتنظيمه.

مرة جديدة، تسعى وزارة المال إلى تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي لجهة تأمين إيرادات مقابلة لأي زيادة في الإنفاق خارج إطار الموازنة وقال وزير المال ياسين جابر: “كان صندوق النقد الدولي واضحاً معنا لجهة عدم إقرار زيادات من دون تأمين مداخيل” وبذلك، يصبح جيب المواطن الحل الأسرع والأنسب، ما يضع المواطنين مرة جديدة في مواجهة بعضهم بعضاً، إذ سيدفع كل مقيم في لبنان كلفة زيادة رواتب موظفي القطاع العام ومعاشات المتقاعدين.

مصدرنداء الوطن
المادة السابقةهل يدخل الذهب مرحلة الهبوط الأكبر؟
المقالة القادمة“المال” تنتظر دراسة قانون الفجوة في الحكومة