جاءت أرقام الجمارك اللبنانيّة، للربع الأوّل من السنة الراهنة، لتؤكّد الآثار المتوقّعة للحرب الدائرة في لبنان والمنطقة، والتي بدأت منذ أواخر شهر شباط الماضي. إذ سجّلت الأرقام قفزة سريعة في قيمة السلع والخدمات المستوردة، بفعل ارتفاع أسعار المشتقات البتروليّة، وتصاعد معدلات التضخّم العالميّة، وتسارع وتيرة استهلاك مع بداية الحرب للتموين. كما سُجل انخفاض مباغت في قيمة السلع والخدمات المُصدّرة، بسبب توقّف عجلة الإنتاج في أنحاء واسعة من لبنان. وبطبيعة الحال، كانت النتيجة الأخيرة ارتفاع حجم العجز التجاري؛ أي الفارق بين الواردات والصادرات، وهو ما يفسّر الضغوط النقديّة التي تتعرّض لها البلاد حاليًا.
التحوّل في أرقام الواردات
التعمّق في أرقام الجمارك اللبنانيّة يُظهر أنّ لبنان استورد هذه السنة، لغاية أواخر شهر آذار الماضي، ما قيمته 5.38 مليار دولار أميركي من السلع والخدمات، مقارنةً بنحو 4.38 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة تمامًا من العام الماضي. وبهذا المعنى، يكون لبنان قد سجّل زيادة نسبتها 23 بالمئة في حجم السلع والخدمات المستوردة، بين الفترتين.
ومن الواضح أنّ الأرقام المتعلّقة بالواردات تأثّرت بالارتفاع الحاصل في أسعار النفط العالميّة، والتي أدّت إلى صدمة تضخّميّة رفعت كلفة استيراد جميع السلع والخدمات في السوق. وتجدر الإشارة إلى أنّ قيمة واردات المشتقّات البتروليّة وحدها بلغت نحو 1.29 مليار دولار أميركي خلال الربع الأوّل من العام الحالي، أي ما يشكّل 24 بالمئة من كلفة الاستيراد الإجماليّة. كما حلّت في المرتبة الثانية واردات المعادن الثمينة، التي بلغت قيمتها في الربع الأوّل من السنة 1.01 مليار دولار أميركي، أي ما يشكّل نحو ضعف قيمتها خلال الفترة المماثلة من العام السابق.
ومن المعلوم أن البلاد شهدت خلال شهر آذار الماضي بدايات الحرب الإسرائيليّة على لبنان، مع ما رافقها من اشتداد الطلب على السلع الأساسيّة، بهدف التموين والتحوّط. وخلال النصف الأوّل من شهر آذار بالذات، شهد مصرف لبنان ضغوطًا نقديّة أدّت إلى تراجع احتياطاته بنحو 212 مليون دولار أميركي، بفعل ارتفاع الطلب على الدولار في السوق، وتراجع المعروض القابل للشراء من قبل مصرف لبنان.
أرقام الصادرات
على المقلب الآخر، شهدت قيمة الصادرات انخفاضًا مفاجئًا، إلى نحو 631 مليون دولار أميركي خلال الربع الأوّل من السنة الراهنة، مقارنة بقرابة 935 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، ما عكس تراجعًا كبيرًا نسبته 33 بالمئة.
وبدا أنّ هذا الانخفاض ارتبط ببعض العوامل، مثل توقّف الإنتاج في المناطق المتضرّرة من الحرب، ابتداءً من أوّل شهر آذار الماضي. كما عكس هذا الانخفاض آثار الضرر الذي طال خطوط الشحن، بفعل الحرب الدائرة على المستوى الإقليمي، فضلًا عن ارتفاع كلفة الشحن والتأمين على الشحن البحري، ما خفّض من القدرة التنافسيّة للسلع المُصدّرة إلى الأسواق الخارجيّة.
وفي الأرقام أيضًا، حلّت المعادن الثمينة في صدارة فئات السلع المُصدّرة، بقيمة إجماليّة بلغت 126 مليون دولار أميركي (حتّى شهر آذار)، وبنسبة 20 بالمئة من إجمالي الصادرات. مع العلم أن هذا البند يشمل المجوهرات المُعاد صنعها محليًا، بعد استيراد معادنها وموادها الأوليّة من الخارج. كما حلّت في المرتبة الثانية المعادن ومشتقاتها بقيمة 122 مليون دولار أميركي، وبنسبة 19.26 بالمئة، ومن بعدها المواد الغذائيّة بقيمة 95 مليون دولار أميركي، وبنسبة 15 بالمئة. أمّا صادرات لبنان من الصناعات الميكانيكيّة والإلكترونيّة فبلغت 82 مليون دولار أميركي، ما جعلها تشكّل 13 بالمئة من إجمالي حجم الصادرات اللبنانيّة.
أبرز الشركاء التجاريين
قائمة الشركاء التجاريين تأثّرت بدورها بالتصعيد الدائر في المنطقة. فقيمة الصادرات اللبنانيّة المتجهة إلى الإمارات العربيّة المتحدة تراجعت إلى 87 مليون دولار أميركي خلال الربع الأوّل من العام، مقارنة بنحو 157 مليون دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، أي بتراجع نسبته 45 بالمئة. وبخلاف الفترة المماثلة من العام الماضي، لم يظهر هذا العام إسم قطر من ضمن أبرز خمس وجهات للصادرات اللبنانيّة. وبهذا الشكل، ظهرت سريعًا تداعيات التصعيد الدائر في منطقة الخليج، الذي أدّى إلى اضطراب سلاسل التوريد وأنشطة الشحن البحري.
ومن أبرز وجهات الصادرات اللبنانيّة هذا العام تبرز تركيا، بقيمة إجمالية تقارب 57 مليون دولار أميركي حتّى شهر آذار، وبنسبة 9.04 بالمئة. وكذلك سوريا بقيمة 44 مليون دولار أميركي، وبنسبة 7 بالمئة، ثم سويسرا بقيمة 36 مليون دولار، وبنسبة 5.71 بالمئة، ومصر بقيمة 29 مليون دولار أميركي وبنسبة 4.6 بالمئة.
أمّأ لجهة الواردات، فظلّت الصين المصدر الأساسي، بقيمة تبلغ 487 مليون دولار أميركي (في أوّل ثلاثة أشهر من السنة)، وبنسبة تقارب 11.12 بالمئة من الإجمالي. كما بلغت قيمة الواردات من اليونان خلال نفس الفترة 446 مليون دولار أميركي، وبنسبة 10.19 بالمئة، مقابل 420 مليون دولار أميركي من تركيا وبنسبة 9.59 بالمئة. كما بلغت الواردات من مصر 374 مليون دولار أميركي، بنسبة 8.54 بالمئة، مقابل 256 مليون دولار أميركي و5.84 بالمئة للإمارات العربيّة المتحدة.
في النتيجة، من المبكر الجزم بجميع النتائج التجاريّة والنقديّة للحرب الدائرة حاليًا، إذ سيستلزم ذلك انتظار أرقام الأشهر التالية، بعد شهر آذار. غير أنّ أرقام الجمارك تفسّر جانبًا مهمًا من الضغوط النقديّة والماليّة التي يتعرّض لها لبنان حاليًا، التي أسهمت في الضغط على احتياطات العملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان.



